حكّامنا(الملهمون)..رعاة أمة أم رعاع ؟
قبل ربع قرن من الزمان , وحينما كنت طالبا في المدرسة الأعدادية , شاهدت فيلمأ سينمائيأ يتمحور حول شخص مهووس بالتجارب الكيميائية كان يحلم بتحضير معدن الذهب من مواد رخيصة. فقام بتحويل بيته إلى مختبر كبير سعيأ لبلوغ ذلك الهدف الذي إستنفذ من جهده وماله الشيء الكثير ولكن دونما جدوى , إذ بدت جهوده المضنية خائبة ومكلفة عادت عليه بالأسى العميق والضرر البليغ وبقدر وافر من سخرية أصدقائه ومعارفه الذين باتوا يظهرون له سأمهم من حماقاته, ناهيك عن الصخب المصحوب بالأبخرة الكثيفة والروائح الكريهة التي كانت تنبعث بإستمرار من(مختبره) بالشكل الذي يصعب على الأخرين تحمله.وفي نهاية المطاف, دعا (صاحبنا) جميع أؤلئك الساخرين والناقمين معأ, ليشهدوا تحقيق إنجازه (الرائع) في تحضير المعدن الأصفر الذي(سيحرق ) عيون الناظرين ببريقه ولمعانه. وماهي إلا برهة وينفجر البيت (المختبر) إنفجارأ مروعأ ويهوي السقف على من فيه ثم يبرز وجه (صاحبنا) المتفيقه العنيد , محترقأ ومشوهأ وسط الركام المنتشر والدخان المتصاعد وهو يجود بأنفاسه الأخيرة ويبكي مصيره القاتم بعد أن أضاع كل شيء.
إن إنبعاث ذكرى ذلك الفيلم في ذهني المتعب من جديد, قادني الى تقليب أوراقي القدبمة, ومنها المجلات والصحف العربية التي كنت أحرص على شرائها من مصروف جيبي القليل , مفضلآ القراءة على كل ما كان يستهوي أقراني سواها من رغبات ,فتصفحت مجلات مثل: ( المصور.الساعة .الحوادث . الدستور . التضامن . كل العرب . الوطن العربي ) وصحف مثل
الأهرام . تشرين . الثورة . الزحف الأخضر . المجاهد . الإشتراكي ) , وراجعت بتأن مفرط وتوأدة شديدة, طبيعة المواقف السياسية المحتدمة والتصريحات النارية المجلجلة لزعمائنا(الأفذاذ) حين ذاك ,على إمتداد وطننا العربي الكئيب والتي تصدرت إفتتاحيات تلك الصحف والمجلات بعناوين بارزة ومساحات واسعة من التغطية السمجة التي تتلاءم مع إمكانيات أولئك القادة ( الملهمين ) الذين ملاؤا الدنيا ضجيجأ بوعودهم الفارغة المقترنة بالأهداف المستحيلة الكاذبة في البناء( النهضوي التقدمي والوحدوي) ,فضلأ عن دعواتهم الأستهلاكية المريبة لتحرير الأراضي (السليبة ) وسحق القوى (الإمبريالية والصهيونية) و كل من يتعاون معهما أوحتى الذي ( يبتسم) لهما ,متخذين من مبدأ(العنف الثوري ) الستاليني المقيت كأسلوب أوحد لاغنى عنه ,لقطع رقاب المعارضين من غير( المسبّـحين) بحمد قادتهم و(المقدّسين) لهم أناء الليل وأطراف النهــار. تصفحت بإمعان ملامح تلك الحـقبة القاتمة التي غلفت دنيانا العــربية المفجعة عقودأ خلت وما ألت إليه الأوضاع العامة من كوارث بفضل أولئك الزعمــاء(ألعباقرة ) على إمتداد سنين حكمهم الطاغوتي والذي لانعرف كيف ومتى سينتهي ؟ وجدير بالذكر, إن العقائد السياسية (المستوردة منها والمصنعة محليّأ ) التي إعتمدتها تلك لأنظمة المتهرئة, كانت أية في البشاعة وعدم الثبات واللاموضوعية, فلقد تأرجحت من أقصى أقاصي اليسار الى أقصى أقاصي اليمين , ومن ألأشتراكية الأممية الغلوائية
المنغلقة الى الرأسمالية الليبرالية المنفلتة , ومن جحيم القطاع العام الى نعيم الأنفتاح الأقتصادي والخصخصة , ومن القومية الفاشية ودعوات الوحدة الفورية الى النزعات القطرية والأقليمية والشرق أوسطية والأفريقية , مرورأ بالأسلام الدعائي النفاقي الذي ينأى عن جوهر الدين الحنيف , حتى أن شعاراتهم (البراقة) وطروحاتهم المستهجنة , التي طالما تشدقوا بها وأرغموا الملايين من رعاياهم على ترديدها صباح مساء ,أصبحت جميعها اليوم في طي النسيان والكتمان, بعدما أوقعوا بلدانهم في مآزق ونكبات خرافية لاقبل لهم بها ,ولم يقف الأمر عند هذا الحد , بل راح الحكام (الميامون ) يحمـّلون الدهر والأقدار و( المؤامرات الأمبريالية ) الموهومة مسؤولية كل ما حصل في بلدانهم من كوارث , مبرّئين أنفسهم وأياديهم الملوثة بالدماء البريئة والسحت
























